يعـتبر الخط العربي من أهم السمات البارزة للحضارة العربية والإسلامية ، وهو يشكل أحد العناصر الرئيسية في التراث العربي والإسلامي ،  وكانت  له اليد الطولى في حفظ  وتأريخ معظم تراث الأمة العربية  وفنونها وحضارتها ...  فقد استخدم العرب الخط العربي كأساس في الفنون المعمارية والهندسية والزخرفية  بأسلوب فريد  لم تعرفه الحضارات الأخرى .

      بل وأكثر من ذلك ،  فإن اعتماد الزخرفة على الخط العربي  اعتماداً ظاهراً في جميع تشكيلاتها ورسومها وأعمالها الفنية القديمة والحديثة جعل من الحروف العربية والزخارف العربية  صنوان لايفترقان  وشكلان فنيان يكمل أحدهما الآخر.  لقد استخدمت الحروف العربية في منتجات عموم صنوف  الفنون الإسلامية مما لايمكن عدّه أو حصره ...   كالقطع الخزفيـة  والنسيج  والزجاج  والقيشاني  والأغباني  والتحف المعدنية  والصواني والأواني  والأباريق والثريات  والأبواب  والمنابر والسيوف والخوذ والدروع الخ ... على سبيل المثال ....   كما استخدمت الحروف  العربية من ناحية أخرى في العمائر والقصور  والأعمدة  والمساجد والأضرحة  والكتــب والألبسة وصناعات النقش والتطعيم  بالفضة والنحاس والذهب .

        ونظراً لأن الإسلام لم يكن يبيح الفن التصويري آنذاك ،   فقد أخذ الحس الفني لدى العرب  ولدى الخطاط المسلم على وجه الخصوص  يبحث عن مجالات أخرى ليبدع فيها  ويظهر عبقريته كان أبرزها  فن الخط العربي ، ذلك الفن الذي تميزت به البلاد العربية والإسلامية  وفتن روّاد الشرق  من جميع أنحاء العالم قديماً وحديثاً .

        ومن البديهي أن اللغة العربية وكتابتها بمختلف أقلامها  -  والقلم أخصّ ُ أدوات العلم والكتابة -  هما من أهم المقومات   في بناء الأمة  وأنجع الوسائل في كتابة تاريخها وحضارتها لأنهما وسيلة الإتصال بين أفرادها قبل كل شيء ،   بل هما همزة الوصل  بين المقومات الحضارية والثقافية والإجتماعية الأخرى .   فباللغة  ، وبالقلم ــ الذي هو أهم أدوات الخط  ــ  يكتــب التاريخ ،  وتشيع  الثقافة  ،  وتفـصح الأمة  عن أمانيها  ومعاشها  وعـلاقـاتـها ،  وتحكي عـن كافة التداخلات والتطورات التي تأتي بها  أو تتكون بينها وبين المجتمعات الأخرى .

          والخط العربي  هو أجمل  خطوط الدنيا ، بل هو أكرمها جميعاً ..  فقد  حظي  بالتقدير  والتعظيم والإجلال في كل مكان  نزل به أو وصل إليه ،   حتى لدى الشعوب التي لاتعرف العربية ولاتفهمها ،  فمما يرويه لنا التاريخ " أن سليمان بن وهب  كتب كتاباً إلى ملك الروم  في أيام الخليفة  المعتمد ،  فقال ملك الروم :   ما رأيت  للعرب  شيئاً أحسن من هذا الشكل ،  وما أحسدهم على شيء  حسدي على جمال  حروفهم ".  وملك الروم  لايقرأ العربية  أو حروف الخط العربي  وإنما راقه  من الخط  اعتداله  وهندسته  وتكوين حروفه  .

           لذا فليس من باب الصدفة أن السلطان العثماني ( بايزيد الثاني )  لم يكن يتأخر عن حمل المحبرة  للخطاط الشيخ ( حمد الله الأماسي )  أثناء تنفيذ أعماله الخطية ،  وكان يجلس  ساعات  طويلة مع  الشيخ وهو يراقبه  كيف يكتب .  كما ليس من باب الصدفة أيضاً  أن السلطان العثماني ( محمود الأول ) لم يكن يتأخر كذلك عن حمل المحبرة للخطاط التركي (  مصطفى راقم )  أثناء تنفيذ أعماله الخطية ...   وذلك إيماناً منهم بأن الخط العربي من الفنون الإعجازية الرفيعة  ، وبأن الخطاط في كل زمان ومكان  كان يحظى بالثناء والتقدير ..  ذلك أنه يسطر بالمداد الأسود عصارة مايعتمل في عقله وقلبه ووجدانه  من حروف عربية  بتشكيلات بديعة  تأخذ بالألباب  وتنتزع إعجاب الجميع . فإلى جانب الموهبة العميقة التي كان يتمتع بها الخطاط  فقد كان  ينزع دائما ً إلى صقل هذه الموهبة بالممارسة والمران المستمرين حتى يبلغ الدرجة المثلى في الإجادة   وحتى يحصل على الرضى النفسي من خلال إطراء الناس  وإعجابهم  بخطوطه .

         قال العباس بن الأحنف :

  كم من كواعبٍ ما أبصرنَ خط َّيدي    إلا ّ تمـنينَ أن يأكلـنَ قرطاسي

         تجرنا هذه المقدمة القصيرة  إلى المقارنة بين الرسم ( التصوير )   وبين الخط العربي  وما وصل إليه من  الإبداع  والعبقرية ...   فالرسم ( أو التصوير)  لايرقى إلى فن الخط  بأي حال من الأحوال ،  في كل مدارسه التي نسمع عنها من تجريدية أو سريالية أو واقعية ، أو لونية - مؤخرا ً-   والتي هي عبارة عن وضع مزيج متنوع من الألوان بطريقة مختلطة أو  متدرجة أو متنافرة  في اللوحة وإطلاق اسم ( لوحة لونية )  عليها ...   فأنت   حينما ترسم لوحة تجريدية  أو سريالية أو لونيـة فإنك  يمكنك أن تترك يدك أو أناملك  ترسم ماتشاء  أو  تنزع إلى الخروج   عن كل القواعد والضوابط الفنية  دون أن يكتشف أي أحد  مافعلت  ، ولكنك لاتستطيع – تحديدا ً- أن تفعل ذلك في الخط العربي ...   فالخطاط  المجيد    لايمكنه ارتكاب أي خطأ  أو هفوة  مهما كانت صغيرة  حين كتابة اللوحة الخطية ، لأن أي شططٍ  أو عزوفٍ  عن قواعد الخط  وسننه  وضوابطه يظهر للعيان بسهولة ،  وتتكشف مقدرة الخطاط  ومدى  تمكنه من  الكتابة الجيدة بسهولة ويسر.         

         إن الخط العربي  جزء مهم من التراث الحضاري للأمة العربية لأنه يرتبط باللغة العربية  وتطورها الثقافي  ..   بل هو الذي خلـّد هذه الحضارة  وأرّخ فصولها ودرأ عنها حملات التحريف والتشويه والتغيير التي  منيت بها اللغة العربية .

         وتجدر الإشارة إلى  أن القرآن الكريم  ــ  الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ــ  هو الذي قاد قافلة الإبداع  الخطي إلى أعلى المراتب وأرفعها .  مما زاد في علوِّ  قدر الخط العربي  وارتقاء  مكانته بين الفنون الأخرى في مشارق الأرض  ومغاربها    وخاصة في البلاد الإسلامية  ..    إن القرآن الكريم قد كتب  بالخط العربي ،   وانتشر إلى كل الأمصار والبلدان ،   كما أن أحاديث  النبي الكريم  سطرت بحروفه  وكذلك الحكم والأقوال والأشعار .

 

مـلاحظــة :  جميع الحقوق الأدبية والفنية وحقوق التأليف للنصوص الآنـفة الذكر محفوظة  للمـؤلف الخطاط الفنان  حـسـان صـبحي مـراد وهي مـأخوذة عن كتابه " تاريخ الخط العربي بين الماضي والحـاضر "  الصادر حديثاً .

 

 

 

www.ArabianGallery.com